بلادنا موبوءة بكثير من أمراض اللا قابلية للنهضة، فما بالها تبتلى بمرض آخر، من عينة هذه الأمراض الوبيلة، هو مرض الإدمان على المخدرات.

لقد كنت آنَفُ آنِفاً من تصديق دعوى انتشار المخدرات، بين شبابنا، وأحسب أن في تلك الدعوى، ضربا من ضروب المبالغات، غير السائغات.

ولكن ها هي الأنباء تتواطأ أخيرا، على التنبيه، والتحذير، من ملامح هذا الداء الخطير، الذي يوشك أن يكتسح بلادنا، ويستقر بها، ويتوطن فيها، بمثل، أو أشد، مما استقرت، وتوطنت فيها قديما، الخمر العتيقة التي تدعى بـ (المريسة).

وقد جاء في بعض هذه الأنباء المفزعة، أن البلاغات التي تترى إلى أقسام الشرطة، دلت على زيادة في استهلاك المخدرات، بين الطلاب، وصلت إلى سبعين بالمائة. ودلت على أن الفئات الأكثر تعاطيا لهذا الداء هم الطلاب الصغار الأغرار.

وصار لا يكاد يمر الشهر أو الشهران، دون أن تمطرنا أجهزة الإعلام، بخبر مثير للأعصاب، مسنود إلى إدارات الشرطة، يتحدث عن إلقائها القبض، على شبكة من شبكات ترويج المخدرات، بين ناشئة البلاد، الذين هم معقد أملها، ومحط رجائها!

وآخر هذه الأخبار الفواجع، انبثق الأسبوع الماضي، ونَضَحَ من مفاده، أن شرطة مكافحة المخدرات، وشرطة الاحتياطي المركزي، قد تمكنتا من إلقاء القبض على عُصْبَةٍ، تعمل بتجارة المخدرات، وضبطت معها نحو واحد وعشرين ألف قندول حشيش. وحوالي أربعين قنطاراً جاهزة للبيع والاستهلاك. وكَمَّاً من الحشيش الخام، الذي يدعى (فلت)، يقدر بحوالي سبعمائة قندولا. إضافة إلى كمية من بذور (البنقو).

وجاء في ذيل الخبر، أن المخدرات، التي ضبطت مع هذه العُصبة المجرمة، بلغت قيمتهاالمالية نحو ستة مليارات من الجنيهات.

وأول ما لفت النظر في الخبر الخطير هو ضخامة قيمة المال المهدور، في هذا الزور، وقد بلغ عدة مليارات من الجنيهات.

وثاني ما لفت النظر فيه بذور (البنقو)، التي تشير إلى مسعى خبيث، لتوطين زراعته في البلاد.

وذلك بعد أن ساد الرأي، قديما، بأن أكثر حمولات (البنقو)، تأتي بلادنا من خارج الحدود، أي من أقصى المغرب العربي، حيث مَرَدَ على زراعته، والاستثمار بتهريبه، والمتاجرة به، ثوار البوليساريو، اليساريون، البائسون، الخونة، الخائبون.

وقد اتخذوا بلادنا، في بعض الحين، معبرا للوصول بحمولاتهم السامة من المخدرات إلى مصر، وإلى أنحاء أخرى، من أقطار الشرق العربي.

وقد ذكرتني هذه المبالغ المالية الكبيرة، المهدورة، في هذا الرجس من عمل الشيطان، خبرا شبيها مشجيا، طفا في الشهر الماضي، من أرض اليمن، الذي كان سعيدا، وأمسى شقيا، باستهلاك القات، الذي قيل إن اليمنيين ينفقون فيه عشرين مليون دولار يوميا.

ولقارئ الخبر أن يقرأه كرة ثانية، مركزا بصره، على ما ورد في ثناياه، من كلمتي (دولار) و(يوميا)!

وهكذا أصبحت دولة فقيرة، متعثرة، تنفق مبلغا مهولا، من عملتها الشحيحة، في طلب المخدرات، ربما لتقنع نفسها، وتقنع غيرها، أنها تستطيع أن تنافس (ولكن في هذا فقط!) عددا من الدول الغربية الثرية، التي يتلهى أهلها باستهلاك المخدرات!

ومن يدري فربما كانت المخدرات هي سلوى الفقراء مثلما هي سلوى الأثرياء!

وأخيرا دعونا بمناسبة طرق هذا الموضوع المخيف المرعب، أن ننتهز هذه السانحة، فنحيي بطولة الشرطة السودانية، التي تتصدى بما لها من امكانات محدودة، لحسم هذا الداء العضال، ومنع استفحاله في حنايا الوطن.

ودعونا نسدي أفضل آيات العرفان، إلى سعادة اللواء طه جلال الدين، مدير شرطة ولاية جنوب دار فور.

وإلى سعادة الرائد نور الدين آدم علي، مدير مكافحة المخدرات بالولاية ذاتها.

كما نحيي بطولة جندهما الميامين.

وبطولة واليهم الشيخ المجاهد حماد إسماعيل حماد.

وذلك على ما قاموا به جميعا، من جهد باسل، للتصدي لقافلة المخدرات، التي قطعوا عليها الطريق، في منطقة الردوم، وصادروا منها داء السموم، الذي كان في طريقه لغزو الخرطوم.